Press

من تفريط الطبيعة الى ضفاف التجريد

 حسن عبد الحميد

ينبغي ان يكون للعاطفة الواعية ضمن مدركات تراكم المعرفة وثراء تنوعها ان تستند الى ماذهب اليه "كاندنيسكي" في فهمة والاعلان..أعترافا بما ينفي من كون المشاعر الاوليه كالخوف والحزن والفرح قد كفت في ان تكون موضع أهتمام الفنان لانه سيحاول ان يثير مشاعر اكثر عمقا وصعوبة بل حتى اكثر رقه في تحويلها الى كلمات أو صور .. ومثلما يحتاج الفن الى عقل يحتاج الى القلب بوابة ومركز كل العواطف ومنجمها الابدي ...علينا-أيضا –أعادة أدراك العمق أو تحسسه كونه حالة من حالات الوعي في زيادة ذلك التراكم المعرفي ....اذ لم يعد الفن تعبيرا وجدانيا محضا ،بل هو ذلك التجانس النوعي في اشتراطات وحدات وعلاقه ،تعدت السائد وعمقت لغة التحاور والتعبير في أسمى محافل ما أرادت أن تصل أليه الحداثة ،،وما سعى أليه الفن الحديث عموما في توريد مقاصده ومغامرات من سار في حقل ألغام التجريب وصولا فيما فيما نحن عليه وصنع قيم جماليه –فنيه أحيت مجددا –فضل ثراء البحث في عموم المعرفة وتزايد رصيد العلم والفن معا ..سنحاول المثول دخولا في مسالك الرسم فحصا وتقيما منسجما مع ما ذهب اليه في مسك العصا ما بين العاطفة والعمق وما ستفصح عنة التجارب الواعيه لدورها وواجبها الابداعي وهي تسقي جذورها من نبع الاحساس وبذلك الشعور الحضاري لقيمة وجودها على أرض وعينا وعمق ماتركت الحقب وتوالي الحضارات .

وفق شرط معاكس لقيمة العمل الفني الذي لم يعد منجزا بل أثرا يجتاز ويفوق المتوالد والمتعارف والسائد في زوايا النظر للموضوع ،،يقينا أن اللاشكلية هي أسم أخر للتجريد الذي سنمر عليه ونلامس جوهر محدداتة ونحن نتابع محاولات تجربة تمتلك خواص ومقومات الاحتفاء بها وتقيم أبعاد مراميها بعد معاينة وفحص لعدة مستويات ومشاركات تنوء بادراك مسؤولية التقييم لما قدمت الفنانة التشكيلية "حنان الشندي"حين تجاوزت الحدود التي تكبل جمال الحياة ورعبها ... المصير ... الزمن ...الجمال ...الحبّ نحو المطلق في كل هذة القيم والمفاهيم ،،أردت’ مدخلا ،نهاية ما توصلت اليه "حنان"أعني التجريد ومهارات اللعب الحاذق على السطح التصويري ..اللعب ليس بما يوازالمكر أو الخداع ،،بل أجراءات الكشف عن فضائل المعتم وتحريك السكون بذلك الجمال النابع من لغة الحوار العميق مع الذات والوجود ،،،

((المهم ان نصنع الجمال لا أن نفهمه ))يزيد هذا القول الاقرب من جنون الشعر الى الحكمة من وهج الجمال أكثر لكي يداني السلطة السحر الحلال ،،على أعتبار الجمالوعد بالسعادة كما يدعي ((ستندال )) ،،ولكي أفرغ تهمة اعتناء المرأة بالجمال الكاذب والتزويقي في طرح معاملات أرتباطها بالفن ...رسما ،،لكني أجد العودة مدخلا آخر لبدايات ما رسمت الفنانه ((بكالوريوس كلية الفنون الجميلة /بغداد ))

واعني الطبيعة ،،الطبيعة ،،منجم ذلك التحاور مع الموجودات وتوارد هذا الخلق الرباني على جسد وعمق أعماق الارض ..

يقف الرسم لدى "حنان الشندي " مرهونا بتطويع خامات الوعي لقابلياتها وصدق محتويات موهبتها ، للوصول الى جوهر ذلك السحر والحنو والكرم والبذل والسخاء الذي تعطيه لنا أمنا الطبيعة ...ينسى الناس كما يقول بيكاسو ((أن كل شى ْ فريد ،،فالطبيعة لاتنتج الشىْ ذاته مرتين ،،،بفهم عمق كهذا واعادة التلويح بان الاخلاص دائما يتخطى العقبات ،فضلا عن كون التجسيد قد يعدل عملية نسخ حق الشىْ،،

وينطبق هذا ـكما تقول بعض الدراسات ـ على الفن البدائي اذ انه ليس تجسيدا بل هو بديل عن الشىْ المجسد ،، أو كما كان ولع الفنانين الواقعيين في رسمهم وفهمهم للواقع ،ولكن ـ كما يذهب أحدهم بالقول ـ على طريقة الرجل الصيني الذي قال : ((انني لااقلد الطبيعة ن بل اعمل كما تعمل )) .. أن شجرة واحدة ـمثلا نتفحصها هياما بقدرة ومعجزة الخلق والخالق توجز كل خلاصات الجمال الاخرى وتجاوراتها ، فكيف بالوصول والهيام والفحص الى رحم الارض وما تعطي ،،، لقد شغلت الطبيعة وشيدت منها ((حنان الشندي )) أولى لبنات وعيها التشكيلي باعلان موهبتها لبواكير الاشياء واتخذت منها ممرا أوليا وتمرينا نحو عالم الخط واللون .. الظل والضوء وما ينتج عنهما من صراع احتفالي ،بتنامي غريزة البحث عن مرامي وأهمية الرسم الاكاديمي بكل حسابات النسب وحسبان ما يجب ان يكون عليه الشكل منفذا بالزيت أو الاكريلك أو الالوان المائيه وأية مادة أخرى تحلم بان تتحول الى أثرأو عمل فني ،، ومع تطلعات الفنانة ((الشندي)) / تولد بغداد عام 1971 كانت مع المؤسسين لجماعة الحس المشترك للفنون وأسهمت باعمال متقدمة في معرض الفنانين الشباب / قاعة حافظ الدروبي ـ بغداد ومعرض جماعة الطبيعة الاول في ذات القاعة احتفا ءً بذكرى رحيل الفنان والاستاذ المبدع (( محمد صبري )) كذلك معرض جماعة الطبيعة على قاعة زاموا ـ السليمانية عام 2003 ومعرض حس انساني بالتعاون مع منظمة حقوق الانسان على قاعة أسفار في بغداد ،، وقبلها المعرض التاسيسي للحس الشترك للفنون ،، أحاول هنا الوقوف عند مفصل هذا التنامي قبل الدخول بدخول هذة الفنانة عالم التجريب كونها أسست خطوات جادة للخروج من أطرالاشياء المأ لوفة في الرسم بحثا عن تميز وخصوصية أرتسمت نحو ما كانت تبغي من تجديد وتأكيد عبر مراس ومحاولات قراءة وتدريب ترادف بالتخطيط بالمناورة مع كل مقتربات الرسم ،، واستثماركل طاقات الورقة البيضاء وهي تشترط الوحدة مع نفسها عاملا مساندا وأستظهار مكامن تجربتها مع رهط من الفنانين اللذين أستهواهم العمل واللعب الماكر مع السطح في أستثمار موجودات المحيط ،، كما فعل من قبل رائد هذا الاتجاة في العراق الراحل الكبير (( شا كرحسن ال سعيد )) لقد كانت مثابات البداية لدى " حنان " كما أشرنا هياما بسحر الطبيعة وجماليات المكان ولتعبر قناطر ذلك الاهتمام نحو التجريد والتجريب الذي أغوى ملكاتها وطوق عاطفتها نحو خلاصات روح المادة وجوهر الاشياء ، امتثالا واعيا لما يصبو اليه التجريب ونزوعه بالخروج عن التقاليد الفنيه المألوفه والرغبه في أرتياد أفاق بكر واستكشاف عوالم مجهولة لم يطأها أحد من قبل .. كيف أستهوت الفنانة هذه العوالم وأمتحنت مهاراتها ومديات مخيلتها خاصة وأن للمرأة في خارطة التشكيل العراقي حظا قليلا في الدخول الى مغامرات وافلاك هذا الاتجاة المحيطي في الرسم .. وقد لايفارق ذهن الناقد والمتتبع لهذا الامر والموضوع مقدمات وعطاءات الفنانة المبدعة ((هناء مال الله )) لما لهامن اسهامات وانجازات على مستوى العمل الفعلي وكذلك الجانب النقدي والجمالي ،، لمانحن في صدد الحديث عنه في تجربة الفنانة ((حنان الشندي )) اللافته للبحث والتقييم بعد معاينه جادة وفاحصه لما قدمت من مشاركات ومعارض ، أكدت صدق الاهتمام والتلويح والانتباه اليها بعد المعرض المشترك الذي أقامه مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة التابع الى جريدة الزمان تحت عنوان (مشهد بصري من بغداد ) على قاعة أثر في بغداد 2004 مع الفنانة ناديه فليح والفنان علاء الدباغ كذلك معرض وزارة الثقافة من أور – بغداد واسهامات أخرى في معرض الفن العراقي المعاصر في دمشق وأخيرا المعرض المشترك الذي أقامه المركز الثقافي الفرنسي في بغداد والذي حمل عنوان ( ورقيات عراقيه ) مع "ناديه فليح " والفنان "سام زهرون " على قاعة الدروبي في بغداد شباط / 2006 ليضع النقاط على حروف هذه التجربة بكل محمولات وعيها ومثابرتها في تحقيقذاتها عبر الرسم والتخطيط وأستثمار حسن معرفتها بفن الكرافيك (الطباعة) وتنويعات الكولاج (فن التلصيق ) ورهافة وحساسية أستعمال ال( اير برش / السبريه ) وتطويع كل ذلك لصالح عملها البحثي على سطح اللوحة خشبا كانت ام قماشا ام ورقه في إجراء تقني تنبئي عن مقدرات وأستشعارات روحيه ووجدانيه قديتلاشى فيها الانسان كوجود فيزيقي الا أن انفعالاته وذكرياته وعلاقات ما يترك يضيف لاعمال هذه الفنانة بعدا دراميا يتلاشى يتماهى أو يتمظهر تبعا لروح وصدق الحاله واللحظة التي ينطلق منها العمل في فضاءات من الراحة والدعة تارة ومن العتمه وتواردالاحزان وتثاقل أسباب الحياة في حياة لم تعد سهلة أومشرقة مثلما كانت ترسم (( حنان )) الطبيعة في أولى أشراقات وعيها البصري في مستهل تجربتها ،، حيث يبدو اللون داكنا معتما في إستحالات ما تريد ايصله وهي تمارس التجريد تجديدا في مناخات ماكانت تتعامل مع المواضيع التي رسمت وانجزت من قبل بفعل توافر الاحساس وعمق الموهبة وسطوة اللون وبراءة ما يحمل من طاقة واحتدام ،، راح يتوزع الان وفق مشيئة المعرفة وتقادم الخبرة وبهذا التجانس وفهم المسؤولية الاْ بداعية لقيمة العمل الفني في جو من التوتر والحزن والخوف .. كل هذا رصف عاطفة ووجدان ((حنان الشندي )) باتجاه توريد مشاعرها ومواقفها الانسانية بفيض عامر بالنور والحنو والحرص على مستقبل ما سيأتي من أيام ، تركت ظلالا كثيفة وشحنات قاتمة على مجمل ما أنجزت الفنانة في بحر أيام المحنة لتؤكد مجددا أن المرأة ليست أداة معرفة حسب ،،،بل هي المعرفة بعينها المعرفة التي لن ندركها (( في أعتقاد أوكتافيوباث )) ابدا وحاصل جهلنا النهائي ..أنها السر الاسمى ..

بغداد ـ مايس 2006